أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
206
أنساب الأشراف
قومي ، فأنا أسيح في الأرض فأعبد ربى . فقال ابن الدغينة : « مثلك ، يا أبا بكر ، لا يخرج ولا يخرج ، إنك تكسب المعدوم [ 1 ] ، وتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحقوق . فأنا لك جار . فارجع » . وأتى ابن الدغينة قريشا ، فقال لهم : « ما مثل أبى بكر يخرج . أتخرجون رجلا يكسب المعدم [ 2 ] ، ويصل الرحم ، ويحمل الكلّ ، ويقرى الضيف ، ويعين على النوائب ؟ » فأنفذت قريش جوار ابن الدغينة ، وأمنوا أبا بكر على أن يصلى ويقرأ في منزله . فمكث أبو بكر مستخفيا بصلاته وقراءته ، يعبد الله في داره . ثم إنه ابتنى بفناء داره مسجدا ، فبرز يصلى فيه . فكان يجتمع نساء المشركين وأبناؤهم حين يقرأ القرآن . فراع ذلك أشراف قريش ، فبعثوا إلى ابن الدغينة فأخبروه بما يصنع أبو بكر . فقال ابن الدغينة لأبى بكر : قد علمت ما عاقدك القوم عليه ، فإما أن تقتصر عليه وإما أن تردّ عليّ جواري وذمتي . فقال أبو بكر : فإني / 94 / أرجع إليك جوارك وأرضى بجوار الله . وكان الحارث بن خالد مع أبي بكر حين لقيه أولا . فقال له : إن معي رجلا من عشيرتي . فقال له ابن الدغينة : دعه فليمض لوجهه ، وارجع أنت إلى عيالك . فقال له أبو بكر : فأين حق المرافقة ؟ فقال الحارث : أنت في حلّ ، فامض ، فإني ماض لوجهي مع أصحابي . فمضى حتى صار إلى الحبشة . قالوا : ولم يزل مقيما بها إلى أن قدم مع جعفر . وكانت مع الحارث امرأته ريطة بنت الحارث بن جبيلة ، من بنى مرّة . فولدت له موسى وعائشة وزينب . وهلكت بأرض الحبشة . وذلك الثبت . وقال بعض الزبيريين : أقبل الحارث وامرأته وولده منها ، فشربوا ببعض الطريق من ماء هناك فماتوا سواء . فزوّجه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ابنة عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف . وقال غير الواقدي : هو ابن الدّغنّة [ 3 ] .
--> [ 1 ] « وقوله لأبى بكر : إنك لتكسب المعدوم ، يقال : كسبت الرجل مالا ، فتعديه إلى مفعولين . هذا قول الأصمعي . وحكى غيره : أكسبته مالا ، فمعنى تكسب المعدوم ، أي تكسب غيرك ما هو معدوم عنده » ( السهيلي ، 1 / 231 ) . [ 2 ] كذا ههنا في الأصل . والمعدم : الفقير . [ 3 ] أي بدل ابن الدغينة المذكور في القصة . والدغنة أمه كما ذكر السهيلي ( 1 / 231 ) .